في خطوة أثارت اهتمام الشارع الرياضي التونسي والعربي، حسمت الجامعة التونسية لكرة القدم ملف الجهاز الفني للمنتخب الوطني بإسناد المهمة إلى المدرب الفرنسي المخضرم هيرفي رونار، ليقود “نسور قرطاج” خلال ما تبقى من منافسات كأس العالم 2026، في محاولة لإعادة الفريق إلى سكة النتائج الإيجابية بعد البداية الصعبة التي عاشها في البطولة.
وجاء القرار بعد مرحلة اتسمت بعدم الاستقرار الفني، انتهت برحيل المدرب صبري اللموشي عقب الخسارة الثقيلة أمام المنتخب السويدي في المباراة الافتتاحية، وهي النتيجة التي وضعت المنتخب التونسي تحت ضغط كبير وأجبرت المسؤولين على التحرك سريعًا بحثًا عن شخصية تملك الخبرة والقدرة على التعامل مع الأزمات.
رونار.. رجل المهمات الصعبة
عندما يتعلق الأمر بالمواقف المعقدة والتحديات الكبيرة، فإن اسم هيرفي رونار غالبًا ما يكون حاضرًا بقوة. المدرب الفرنسي اكتسب على امتداد سنوات طويلة سمعة خاصة جعلته من أكثر المدربين قدرة على إعادة بناء المنتخبات وإحياء آمالها في اللحظات الحرجة.
وتأتي مهمة رونار الجديدة مع المنتخب التونسي في ظرف دقيق، إذ سيكون مطالبًا بإعادة الثقة إلى اللاعبين، وتحسين الأداء الجماعي للفريق، وتجهيز المجموعة نفسيًا وفنيًا قبل المواجهات الحاسمة المتبقية في مونديال 2026.
ويمتلك المدرب الفرنسي خبرة واسعة في العمل مع المنتخبات الوطنية، خصوصًا في أفريقيا وآسيا، حيث نجح في تحقيق نتائج استثنائية جعلته واحدًا من أبرز المدربين على الساحة الدولية خلال العقدين الأخيرين.
تحدٍ كبير أمام اليابان
لن يملك رونار الكثير من الوقت للتأقلم مع محيطه الجديد، إذ ينتظره اختبار قوي أمام المنتخب الياباني في الجولة الثانية من دور المجموعات.
وتحمل المواجهة أهمية مضاعفة بالنسبة للمنتخب التونسي الذي يحتاج إلى نتيجة إيجابية للحفاظ على حظوظه في التأهل إلى الدور المقبل، وهو ما يجعل المباراة بمثابة نهائي مبكر بالنسبة لنسور قرطاج.
والمثير للاهتمام أن المدرب الفرنسي يعرف المنتخب الياباني جيدًا من خلال تجاربه السابقة مع المنتخب السعودي، حيث واجهه في أكثر من مناسبة خلال التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم.
ففي أكتوبر 2021 تمكن رونار من قيادة السعودية لتحقيق فوز مهم على اليابان بهدف دون رد، بينما خسر أمامه في فبراير 2022 بنتيجة هدفين مقابل صفر، قبل أن يفرض التعادل السلبي نفسه على آخر مواجهة جمعت الطرفين في مارس 2025.
هذه المعطيات قد تمنح الإطار الفني الجديد للمنتخب التونسي أفضلية معرفية مهمة قبل المواجهة المرتقبة.
المحطة الثالثة في كأس العالم
سيكون كأس العالم 2026 ثالث مشاركة مونديالية في المسيرة التدريبية لهيرفي رونار، وهو رقم يعكس حجم الخبرة التي راكمها الرجل على أعلى مستوى.
بدأت رحلته المونديالية مع المنتخب المغربي في نسخة روسيا 2018، حيث نجح في إعادة “أسود الأطلس” إلى النهائيات بعد غياب طويل، وقدم المنتخب المغربي آنذاك مستويات فنية لاقت إشادة واسعة رغم عدم التأهل إلى الدور الثاني.
وفي نسخة قطر 2022، قاد المنتخب السعودي إلى أحد أكبر مفاجآت تاريخ كأس العالم عندما تفوق على المنتخب الأرجنتيني بنتيجة 2-1، في مباراة بقيت حديث وسائل الإعلام العالمية لفترة طويلة، خاصة أن الأرجنتين توجت لاحقًا باللقب العالمي.
أما اليوم، فيخوض رونار مغامرة جديدة مع المنتخب التونسي، واضعًا نصب عينيه مهمة إعادة الفريق إلى المنافسة وإثبات قدرته مجددًا على صناعة الفارق في أكبر المحافل الكروية.
من ملاعب فرنسا إلى الشهرة العالمية
ولد هيرفي رونار في سبتمبر 1968 بفرنسا، وكانت بدايته في عالم كرة القدم لاعبًا في مركز الدفاع.
ورغم أن مسيرته كلاعب لم تحظ بالشهرة نفسها التي حققها لاحقًا كمدرب، فإنها شكلت الأساس الذي بنى عليه شخصيته الفنية.
تنقل بين عدد من الأندية الفرنسية، وبدأ خطواته الأولى في نادي كان الفرنسي، قبل أن يواصل مشواره مع أندية أخرى داخل فرنسا، لينهي مسيرته كلاعب في نهاية التسعينيات ويتجه مباشرة إلى التدريب.
ومع مرور السنوات، تحول من مدرب مغمور إلى أحد أشهر المدربين المتخصصين في العمل مع المنتخبات الوطنية.
تجربة غنية بين أفريقيا وآسيا
على امتداد مسيرته التدريبية، أشرف رونار على تدريب عدة أندية ومنتخبات في قارات مختلفة، الأمر الذي أكسبه خبرة متنوعة في التعامل مع مدارس كروية متعددة.
ودرب منتخبات زامبيا وأنغولا وساحل العاج والمغرب والسعودية، كما خاض تجربة مهمة مع منتخب فرنسا للسيدات.
أما على مستوى الأندية، فقد عمل في فرنسا والصين والجزائر، ما جعله يكتسب رؤية شاملة حول أساليب اللعب المختلفة وطرق إدارة المجموعات البشرية في البيئات الرياضية المتنوعة.
لماذا يلقب بـ”ساحر القارة”؟
لم يأت لقب “ساحر القارة” من فراغ، بل ارتبط بسلسلة من الإنجازات التاريخية التي حققها المدرب الفرنسي داخل القارة الأفريقية.
وأبرز هذه الإنجازات يبقى تتويجه بكأس الأمم الأفريقية مع منتخب زامبيا سنة 2012 في واحدة من أكثر القصص إلهامًا في تاريخ البطولة، حيث قاد منتخبًا لم يكن مرشحًا للفوز إلى اعتلاء منصة التتويج.
وبعد ثلاث سنوات فقط، عاد ليحقق اللقب القاري مجددًا، لكن هذه المرة مع منتخب ساحل العاج، مؤكدًا قدرته على النجاح في ظروف مختلفة ومع مجموعات بشرية متنوعة.
ويظل رونار حتى اليوم المدرب الوحيد الذي نجح في الفوز بكأس الأمم الأفريقية مع منتخبين مختلفين، وهو إنجاز استثنائي يعزز مكانته بين كبار المدربين في تاريخ الكرة الأفريقية.
ماذا ينتظر المنتخب التونسي؟
الجماهير التونسية تدرك أن تغيير المدرب وحده لا يكفي لتحقيق النتائج، لكن وجود شخصية بحجم هيرفي رونار يمنح المنتخب دفعة معنوية كبيرة في مرحلة حساسة من مشواره في مونديال 2026.
فالمدرب الفرنسي معروف بقدرته على تحفيز اللاعبين وبناء روح قتالية داخل المجموعة، وهي عناصر يحتاجها المنتخب التونسي بشدة من أجل تجاوز آثار البداية الصعبة والعودة إلى دائرة المنافسة.
وسيكون النجاح في المباراة المقبلة مفتاحًا حقيقيًا لإحياء الآمال، بينما سيبقى الحكم النهائي على تجربة رونار مرتبطًا بما سيحققه مع نسور قرطاج خلال الأسابيع القادمة.
وبين طموحات الجماهير التونسية وخبرة المدرب الفرنسي، تبدأ صفحة جديدة عنوانها التحدي والإصرار، على أمل أن يتمكن “ساحر القارة” من كتابة فصل جديد من نجاحاته في كأس العالم 2026 وإعادة المنتخب التونسي إلى المكانة التي يستحقها على الساحة الدولية.

