مقدمة
في عالمٍ يزدحم بالضجيج الإعلامي، ويُقاس فيه النجاح بعدد المشاهدات والإعجابات، يبرز اسم أحمد الشقيري كحالة استثنائية في الإعلام العربي. لم يعتمد على الإثارة، ولا على الجدل، ولا على الخطاب الحاد، بل اختار طريقًا أكثر صعوبة: التأثير الهادئ والعميق. هذه المقالة تسلط الضوء على أهم الدروس المستفادة من تجربة أحمد الشقيري في صناعة التأثير الحقيقي دون ضجيج، وكيف يمكن لصنّاع المحتوى والإعلاميين الاستفادة من هذا النموذج الفريد.
أولًا: من هو أحمد الشقيري ولماذا يُعد نموذجًا مختلفًا؟
أحمد الشقيري إعلامي وصانع محتوى سعودي، اشتهر من خلال برامج هادفة أبرزها سلسلة خواطر التي استمرت لسنوات طويلة وحققت انتشارًا واسعًا في العالم العربي. ما يميّز الشقيري ليس فقط مضمون برامجه، بل المنهجية التي اعتمدها في تقديم المحتوى؛ فهو لا يقدّم نفسه كواعظ أو خبير، بل كإنسان يبحث ويتعلم ويشارك تجربته مع الجمهور.
هذا الأسلوب الإنساني جعله قريبًا من الناس، وأكسبه مصداقية عالية، وهي عنصر أساسي في صناعة التأثير الحقيقي.
ثانيًا: التأثير الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج
من أبرز الدروس التي نتعلمها من تجربة أحمد الشقيري أن التأثير لا يرتبط بالصوت العالي أو الأسلوب الصادم. في زمن يعتمد فيه كثير من صناع المحتوى على الإثارة لجذب الانتباه، اختار الشقيري طريقًا معاكسًا تمامًا:
- لغة هادئة
- طرح متزن
- أفكار عميقة دون استعراض
هذا النهج يثبت أن الجمهور، رغم كل ما يقال، ما زال يقدّر المحتوى الذي يحترم عقله ويخاطب إنسانيته.

ثالثًا: الصدق أساس التأثير المستدام
الصدق هو حجر الأساس في تجربة أحمد الشقيري. لم يدّعِ يومًا أنه صاحب الحقيقة المطلقة، بل كان يكرر عبارته الشهيرة:
“لستُ عالمًا ولا مفتيًا ولا فقيهًا… إنما طالب علم”
هذا الاعتراف البسيط خلق علاقة ثقة قوية بينه وبين جمهوره. المتلقي يشعر أن من أمامه لا يتعالى عليه، بل يشاركه رحلة البحث والتعلّم. وهذا ما يجعل التأثير مستدامًا لا مؤقتًا.
رابعًا: البساطة… طريق الوصول إلى الجميع
اعتمد الشقيري على تبسيط المفاهيم المعقدة، سواء كانت اجتماعية، أخلاقية، أو حضارية. لم يستخدم مصطلحات معقدة أو لغة نخبوية، بل خاطب الناس بلغتهم اليومية، مع أمثلة واقعية من حياتهم.
الدرس هنا واضح:
كلما كانت رسالتك أبسط، كان انتشارها أوسع وتأثيرها أعمق.
خامسًا: المحتوى الهادف لا يعني المحتوى الممل
من المغالطات الشائعة أن المحتوى الهادف ممل أو ثقيل. تجربة أحمد الشقيري نسفت هذا الاعتقاد تمامًا. فقد مزج بين:
- الفكرة العميقة
- السرد القصصي
- الصورة البصرية الجذابة
- المعلومة المختصرة
فأنتج محتوى ممتعًا ومفيدًا في آنٍ واحد، وهو ما يجب أن يتعلمه كل صانع محتوى يسعى للتأثير الإيجابي.
سادسًا: من الفكرة إلى السلوك
لم يكن هدف الشقيري مجرد نشر الأفكار، بل تحفيز السلوك الإيجابي. كثير من حلقات برامجه تنتهي بسؤال مباشر أو دعوة للتطبيق العملي، مثل:
- تحسين عادة يومية
- احترام الوقت
- الالتزام بالنظام
- الإحسان في العمل
هذا الربط بين الفكرة والتطبيق هو ما يجعل المحتوى حيًا ومؤثرًا في الواقع.
سابعًا: التعلم المستمر سر الاستمرارية
واحد من أهم أسرار نجاح أحمد الشقيري هو التعلم الدائم. سافر، قرأ، بحث، زار تجارب ناجحة حول العالم، ثم نقلها للجمهور العربي بروح نقدية واعية، لا بروح الانبهار الأعمى.
هذا الدرس مهم جدًا:
صانع المحتوى الذي يتوقف عن التعلم، يتوقف عن التطور، ثم يختفي تدريجيًا.
ثامنًا: احترام عقل المشاهد
لم يعتمد الشقيري على التلقين، بل على إثارة التفكير. كان يطرح السؤال قبل الإجابة، ويعرض الفكرة ثم يترك مساحة للمشاهد كي يتأمل ويقرر.
احترام عقل الجمهور هو ما يخلق محتوى راقيًا ويجعل المتلقي شريكًا في الفكرة لا مجرد مستهلك لها.
تاسعًا: الرسالة قبل الشهرة
لم يسعَ أحمد الشقيري للشهرة بقدر سعيه لنشر رسالة إيجابية. الشهرة جاءت لاحقًا كنتيجة طبيعية للإخلاص في العمل. وهذا درس جوهري لكل من يدخل عالم صناعة المحتوى:
عندما تكون الرسالة واضحة، تأتي الشهرة وحدها.
عاشرًا: ماذا نتعلم كصناع محتوى؟
من تجربة أحمد الشقيري يمكن استخلاص مجموعة من القواعد الذهبية:
- كن صادقًا مع جمهورك
- بسّط أفكارك دون تفريغها من معناها
- تعلّم باستمرار
- احترم عقل المشاهد
- اجعل هدفك التأثير لا الجدل
هذه المبادئ لا تبني فقط محتوى ناجحًا، بل تبني أثرًا طويل المدى.
خاتمة
تجربة أحمد الشقيري تؤكد أن التأثير الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى رؤية واضحة، وصدق، وعمل مستمر. في زمن السرعة والاستهلاك، يبقى المحتوى الهادف الصادق هو الأكثر قدرة على البقاء والتأثير. وهذه هي الرسالة الأهم التي يتركها لنا أحمد الشقيري، ليس كإعلامي فقط، بل كإنسان يسعى لصناعة الفرق.




