بنود اتفاقية أوسلو:
منذ أن وقع أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، انفتح باب الخيانة العربية العلني على مصراعيه، وتصدّعت جدران الصمود أمام الغزو الإسرائيلي.
كان ذلك حين صافح السادات قادة تل أبيب، كانت تلك المصافحة أول شرارة أطلقت موجة الانهيار العربي، ومهّدت لاعترافات بدولة الكيان.
وفي سبتمبر 1993، بعد خمسة عشر عامًا من كامب ديفيد، سار ياسر عرفات على الخطى ذاتها، ليصبح ثاني المطبعين، وليوقّع باسم منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو المشؤومة، تحت رعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أنذاك، في حديقة البيت الأبيض بواشنطن. كان المشهد مخزيا جدا ، أشبه لإعلان رسمي لتصفية القضية الفلسطينية.
ومن أهم بنودها:
نصّت الاتفاقية على أن منظمة التحرير الفلسطينية تعترف بدولة إسرائيل على مساحة 78% من أرض فلسطين التاريخية بسيادة كاملة .
في المقابل، لم تعترف إسرائيل بقيام دولة فلسطينية، بل تركت ما تبقّى من الأرض ( أي 22% فقط ) لتدار عبر سلطة فلسطينية مؤقتة مقرها رام الله، تكون مهمتها إدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين في الضفة وغزة لمدة خمس سنوات، على أن تُؤجَّل القضايا الجوهرية: القدس الشرقية ، اللاجئون، الحدود، والمستوطنات، إلى مفاوضات لاحقة لم تأتِ حتى اليوم.
ولم تكتفِ الاتفاقية بذلك، بل فرضت على السلطة الفلسطينية نبذ المقاومة وتجريم الجها.د، والتعاون الأمني الكامل مع الاحتلال. فصار كل فعل مقاوم ضد إسرائيل جريمة يعاقب عليها الفلسطيني قبل أن يعاقب عليها الإسرائيلي، وأنشئ جهاز أمني فلسطيني خاص لملاحقة خلايا المقاومة.
أما الأمن العام، فقد بقي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، فالمناطق الفلسطينية بلا جيش، وإنما بقوات أمن محدودة تعمل تحت رقابة الكيان. بهذا البند، سقطت آخر مظاهر السيادة، وتحوّل “التحرر” إلى إدارة مدنية بإشراف المحتل.
فتح هذا التوقيع الباب أمام الانهيار العربي الشامل. فحين اعترف صاحب الأرض بالمحتل، لم يعد للحكام العرب ما يمنعهم من اللحاق بركب التطبيع أمام شعوبهم. تبعت الأردن الاتفاقية بعد عام واحد فقط، ثم لحقت بها موجة من العلاقات الإقتصادية والتجارية مع قطر وتونس وموريتانيا، حتى وصل الأمر في العقود اللاحقة إلى تطبيع كامل وتحالفات عسكرية وإقتصادية علنية بلا حياء أو خجل مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب.
أما ما وعد به الإسرائيليون فلم ينل الفلسطينيون منه سوى سلطة محدودة تُدير المدن تحت رقابة الاحتلال؛ بل تضاعف عدد المستوطنات في الضفة الغربية، وجُرِّدَت القدس و تم تهويدها بشكل متسارع، وفرض الحصار على غزة حتى خُنقت، وتحولت “السلطة الفلسطينية” إلى كيان إداري يعمل تحت أنظار الاحتلال، يموله الغرب ويقيّده بالاتفاقات الأمنية.
في يوليو 1994 عاد ياسر عرفات إلى فلسطين في إطار تنفيذ اتفاق “غزة – أريحا أولًا”، وهو التطبيق الأول لاتفاقية أوسلو. دخل من مصر ثم غزة ثم أريحا، وبدأ في تأسيس “السلطة الوطنية الفلسطينية”، التي تولّت إدارة بعض المناطق المدنية والأمنية في القطاع والضفة.
لكن تلك “العودة التاريخية” لم تكن إلا عودة إلى قفص كبير. فعرفات المتعطش للسلطة، الذي ظن أن الغرب سيسمح له بأن يبني دولة من داخل الأرض المحتلة، وجد نفسه محاصرًا بالقيود الإسرائيلية والضغوط الغربية. وبعد سنوات من “السلام” أو بالأحرى “الاستسلام”، و رغم تعاونه الكامل وتنازلاته وإعطائه ما لم يحلم به العدو، أدرك الإسرائيليون أن دوره انتهى، فحاصروه في مقره برام الله، وقطعوا عنه الإمدادات، ومنعوا عنه العلاج، حتى مات مسمومًا عام 2004. وهكذا كانت نهايته عبرة لكل من يضع يده بيد المحتل.
وبعد موته أُحضِر محمود عباس (أبو مازن)، أحد مهندسي أوسلو، ليكمل الطريق ذاته: طريق “السلام الذي يحبه الإسرائيليون”، والتنسيق الأمني، والاعتراف بالأمر الواقع؛ في عهده تضاعف عدد المستوطنات، وازدادت قبضة الاحتلال، واعترفت إدارة ترامب بالقدس عاصمة أبدية لـ”إسرائيل”.
و تحوّلت منظمة التحرير إلى إدارة بيروقراطية عاجزة، وتحول الثوار إلى أجهزة أمنية تحرس الاحتلال بدلًا من مقاومته. وباسم “السلام”، جرى تحويل الفلسطينيين إلى شعبٍ يعيش تحت سلطة بلا سيادة، وأرضٍ بلا حدود..
وهكذا نجح الاحتلال بالمفاوضات والشعارات الرنانة فيما عجز عنه السلاح: أن يجعل العرب حراسًا لبواباته، وأن يزرع في الوعي العربي فكرة أنّ “إسرائيل قدر لا مفرّ منه”. وها هو اليوم يستنزف ما بقي من الفلسطينيين ولا يكتفي برفض إقامتهم أرضًا لهم بل يعدّ العدة لإجبارهم على الرحيل إلى الدول المجاورة. ولا يكتفي بفلسطين بل ينظر إلى الدول المجاورة، وهكذا يكون مصير من ينحني إلى المفاوضات والسلام مع ناكثي العهود وقاتلي الأنبياء.
المصادر :
📕 اتفاق أوسلو: دراسة نقدية في ضوء القانون الدولي والتجربة التاريخية المؤلف: د. أنيس فوزي القاسم الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت، 1995
📕 أوسلو: السلام المغدور المؤلف: عبد الستار قاسم الناشر: دار الشروق – عمّان، 1996





